محمد جمال الدين القاسمي

374

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

يقصدونها ويقتدون بها يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وهو ما فيه صلاح دينيّ ودنيويّ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ أي بكل معروف ، من واجب ومندوب يقربهم إلى الجنة ويبعدهم عن النار وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ أي عن كل منكر ، من حرام ومكروه يقربهم إلى النار ويبعدهم من الجنة وَأُولئِكَ الداعون الآمرون الناهون هُمُ الْمُفْلِحُونَ الفائزون بأجور أعمالهم وأعمال من تبعهم . قال بعضهم : الفلاح هو الظفر وإدراك البغية . فالدنيويّ هو إدراك السعادة التي تطيب بها الحياة ، والأخرويّ أربعة أشياء : بقاء بلا فناء ، وعز بلا ذل ، وغنى بلا فقر ، وعلم بلا جهل . لطيفة : قيل : عطف : وَيَأْمُرُونَ على ما قبله ، من عطف الخاص على العام - كذا قاله الزمخشريّ . وناقشه في الانتصاف . وعبارته : عطف الخاص على العام يؤذن بمزيد اعتناء بالخاص لا محالة إذا اقتصر على بعض متناولات العام ، كقوله : مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ [ البقرة : 98 ] . وكقوله : فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ [ الرحمن : 68 ] . وكقوله : حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى [ البقرة : 238 ] . وشبه ذلك . لأن الاقتصار على تخصيص ما يفرد بالذكر يفيده تمييزا عن غيره من بقية المتناولات . وأما هذه الآية فقد ذكر ، بعد العام فيها ، جميع ما يتناوله ، إذ الخير المدعوّ إليه إما فعل مأمور ، أو ترك منهيّ ، لا يعدو واحدا من هذين حتى يكون تخصيصها يميزها عن بقية المتناولات ، فالأولى في ذلك أن يقال : فائدة هذا التخصيص ذكر الدعاء إلى الخير عامّا ثم مفصلا . وفي تنبيه أن الذكر على وجهين مالا يخفى من العناية - واللّه أعلم - إلا أن يثبت عرف بخصّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ببعض أنواع الخير ، فإذ ذاك يتم مراد الزمخشريّ ، وما أرى هذا العرف ثابتا - واللّه أعلم - انتهى . تنبيه : وفي الآية دليل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ووجوبه ثابت بالكتاب والسنة ، وهو من أعظم واجبات الشريعة المطهرة ، وأصل عظيم من أصولها ، وركن مشيد من أركانها ، وبه يكمل نظامها ويرتفع سنامها - كذا في فتح البيان . قال الغزاليّ رضي اللّه عنه : في هذه الآية بيان الإيجاب . فإن قوله تعالى وَلْتَكُنْ أمر . وظاهر الأمر الإيجاب ، وفيها بيان أن الفلاح منوط به ، إذ حصر وقال وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . وفيها بيان أنه فرض كفاية لا فرض عين ، وأنه إذا قام به أمة